الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
215
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
فإذا أخذ في المجاهدة والكد حتى مالت إلى عالم القدس واستنارت بحيث ألهمت فجورها وتقواها سميت : ملهمة وهي الثالثة ، وعلامتها أن يعرف صاحبها دسائسها الخفية الدقيقة من الرياء والعجب وغير ذلك . فإذا لزم المجاهدة حتى زالت عنها الشهوات وتبدلت الصفات المذمومة بالمحمودة وتخلق بأخلاق الجمالية من الرأفة والرحمة واللطف والكرم والود سميت : مطمئنة وهي الرابعة ، وهذا المقام هو مبدأ الوصول إلى الله تعالى ولكنها لا تخلو من دسائس خفية جداً كالشرك الخفي وحب الرياسة ، إلا أنها لخفائها ودقتها لا يدركها إلا أهلها الذين نور الله بصائرهم ، لأن ظاهرها الصلاح والاتصاف بالصفات الحميدة من الكرم والحلم والتوكل والزهد والورع والشكر والصبر والتسليم والرضا بالقضاء مع انكشاف بعض أسرار وانخراق بعض عادات وظهور بعض كرامات ، فلربما ظن صاحبها أنه الإمام الأعظم وإن مقامه هو المقام الأفخم ، وهذا من جملة الدسائس . فإذا أدركته العناية الإلهية ، واستند إلى شيخه بالكلية ، ولازم المجاهدة ، حتى تمكن من الصفات المحمودة ، وانقطع عنه عرق الرياء ، وصارت نفسه ذليلة ، واستوى عند المدح والذم ، ودخلت في مقام الفناء ورضيت بكل ما يقع في الكون من غير اعتراض أصلًا سميت : راضية هي الخامسة ولكن رؤية الفناء والإخلاص ربما أوقع في شيء من الإعجاب ، فيرجع به القهقرى فليستعذ من ذلك ، مع مداومة الذكر ، والالتجاء إلى الله ، وملاحظة أنه لا يتم له الخلاص إلا بمدد الشيخ . فإذا فنى عن الفناء ، وخلص من رؤية الخلاص ، تجلى عليها بالرضا ، وعفا عن كل ما مضى ، وتبدلت سيئآتها حسنات ، وانفتحت لها أبواب الأذواق والتجليات ، فصارت غريقة في بحار التوحيد ، وآنستها بلابل الأسرار بالتغريد ، ولذا سميت : مرضية ، لأنها بعنايات الله مرعية ، وهي السادسة . إلا أن صاحب الهمة العلية لا يرضى بالوقوف عند هذه المقامات وإن كانت سنية ، بل يسير من الفناء إلى البقاء ، ويطلب وصل الوصل بتمام اللقاء ، فتناديه حقائق الأكوان : إنما نحن